السيد كمال الحيدري
455
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
فيديم بذلك النعيم ، وإنما النعيم الأُخروي في بقائه وديمومته ، كما أنَّ شدَّة العذاب المعنوي هو الشعور بعدم انتهاء العذاب المادي ، وهذا معنى من معاني الخلود ، فالخلود في النار يقتضي عدم الخروج منها . وقد جرى التأكيد على مفاد الخلود لأنَّ الإنسان بطبيعته لا يميل إلى أصل العذاب فكيف بالخلود فيه ، وهذا من باب الترهيب له ليرتدع عمَّا هو فيه ، ويبدو أنَّ ما عليه الإنسان ابتداءً هو ما يجعل الأصل فيه العذاب في النار والخلود فيها ، وأنَّ المُنجي له هو الإيمان والتقوى والعمل الصالح ؛ قال الطباطبائي في تفسيره لقوله تعالى : يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ( المائدة : 37 ) : ( وفي الآية إشارة أوّلًا : إلى أنَّ العذاب هو الأصل القريب من الإنسان ، وإنما يصرف عنه الإيمان والتقوى ، كما يشير إليه قوله تعالى : وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ، وكذا قوله : إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) « 1 » ، كذلك في قوله تعالى : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( الشورى : 52 ) . فلو خُلِّي الإنسان ونفسه لكان مآله إلى الكفر والعذاب الأليم ، فاحتاج إلى مُثير لدواعي الفطرة ، فإن خلَّف صوت الفطرة وراءه ظهرياً كان المصير الحتمي له هو الخلود في العذاب الأليم ، ولكن دون أن ينتهي إلى انطفاء الفطرة فيه وانزوائها ، بل هو دليل على حيويّتها وديمومتها ، وإلا لَما شعر بالعذاب ولا طلب الخروج من النار .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 5 ، ص 329 . والآيتان الأوليان هما : مريم : 71 - 72 . وأما الآيتان الأُخريان فهما : العصر : 2 - 3 . .